This website has moved but this site will still be visible as an arhive.
PACBI-ثنائية الزوان والحنطة بارينباوم، سعيد، وغوايات التطبيع في الثقافة الفلسطينية (2 من 3)


أخبار و آراء >
Send Email Print Bookmark and Share

عبد الرحيم الشيخ | الأيام | 7-7-2009

ثنائية الزوان والحنطة بارينباوم، سعيد، وغوايات التطبيع في الثقافة الفلسطينية (2 من 3)

باتساع دائرة الجدل، ولا أقول السجال، حول إمكانية مشاركة الموسيقار العالمي أرجنتيني الأصل، ويهودي الديانة، وإسرائيلي الجنسية دانيال بارينباوم في فعالية موسيقية قد تعقد في قصر رام الله الثقافي بين الثامن والرابع عشر من شهر تموز الجاري، وتدخُّل مستويات فلسطينية عدة: سياسية، وثقافية، وتنظيمية، تأييداً ومعارضةً... جاءت هذه المداخلة المطولة، على ثلاثة أجزاء: تم في حلقتها الأولى توضيح ماهية العلاقة بين إدوارد سعيد ودانيال بارينباوم، وتفنيد التفيؤ بصداقة الأخير لسعيد لتبرير قدومه إلى رام الله، أو الاشتراك في فعاليات مؤسستيه التطبيعيتين دون الاتسام بـ "وصمة التطبيع". وسيتم في هذه الحلقة توضيح مواقف الاثنين، وبخاصة بارينباوم، من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمسؤولية التاريخية للحركة الصهيونية وإسرائيل عن نكبة الفلسطينيين التي دخلت عامها الحادي والستين، وما اعترى تلك المواقف من تغيير وتبديل، وبخاصة موقف بارينباوم الاعتذاري لإسرائيل في حربها الأخيرة على غزة حين لم يتورع عن الدفاع عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، والمساواة بين ضحايا الاحتلال من الفلسطينيين العزل وقتلى الاحتلال من الجنود النظاميين والمستوطنين. وسيتم، في الجزء الثالث، تحديد مرجعية ثقافية وأخلاقية للحكم على ما يمكن اعتباره تطبيعاً أم غير تطبيع ارتباطاً بهذين الأمرين أو بمعزل عنهما في آن.

ثانياً: بارينباوم-سعيد: وخطيئة إسرائيل الكبرى
نظراً لتعدد الجهات التي تدخلت، حتى اللحظة، في قضية بارينباوم، وتنوعها بين دبلوماسية المستوى السياسي حدَّ السذاجة، ومراوغة المستوى الثقافي حدَّ الحربائية، وتسليعية المستوى التنظيمي حدَّ السخرية، ونظراً لكثرة كتابات بارينباوم، وقلة قرَّائها على ما يبدو، خطر لي أن أترجم ثلاثاً من مقالاته: واحدة أوجهها لكل من هذه المستويات بلغة إدوارد سعيد، العربية، لتعرف مع من تتعامل، ولأي بضاعة تروِّج. ولكني عدلتُ عن ذلك لئلا ينال بارينباوم، بكل استعلائيته وصلفه، البالغ حدَّ الوقاحة، في أحاديثه حول المأساة الفلسطينية والتعريض برموز الشعب الفلسطيني، منبراً مجانياً لفكره الرديء وشعريته الباهتة. وسأكتفي بالإشارة إلى هذه المقالات الثلاث أثناء استعراض مواقف بارينباوم من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمسؤولية التاريخية للحركة الصهيونية عن نكبة الفلسطينيين التي دخلت عامها الحادي والستين-المواقف التي تجعل منه صهيونياً بامتياز، وإن حملَ المواطنة الفلسطينية الفخرية، أو اصطفت أمامه طوابير الأطفال، الذين لا يعرفونه، لنيل توقيعه على أوتوغرافاتهم. هذه المقالات الثلاثة، هي: "60 عاماً: دانيال بارينباوم حول إسرائيل"، وقد ظهرت في جريدة تاغشبيغل البرلينية بتاريخ 10 أيار 2007؛ و"رحل الدكتاتور! وللشعب، من بعده طول البقاء"! التي كتبها بعد استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وقد ظهرت في الهيرالد تربيون (الطبعة الدولية) بتاريخ 16 تشرين الثاني 2004؛ ومقالة "غزة والسنة الجديدة" التي ظهرت في صحيفة الغارديان بتاريخ 1 كانون الثاني 2009.
ولخصوصية المقام هنا، ولمحدودية الحيز والإمكان، سأتيح لنفسي الإشارة إلى مجموعة من النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجموعة عريضة من القوى والمؤسسات التي تدعو إلى إلغاء الفعالية التي قد يشارك فيها بارينباوم في قصر رام الله الثقافي-القصر الكائن بين ضريحين: مرقد شاعر فلسطين الفذ الذي لم يتحدث بارينباوم عن حقه في العودة، محمود درويش، ومرقد الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي ما زال على الماء، والذي أساء له بارينباوم بعيد وفاته، وقبل دفنه في تراب رام الله، ناهيك عن أن بارينباوم أو غيره لم يمتلك يوماً جرأة الدفاع عن حقه في أن يدفن في مسقط رأسه في القدس. يشير البيان إلى أنه في الوقت الذي تحقق فيه حملات مقاطعة إسرائيل، ثقافياً وأكاديمياً واقتصادياً، نجاحات متوالية على المستويات العربية والعالمية، تُفاجأ الساحةُ الفلسطينية من أن ثمة من لا يزال يتلعثم في تبيان موقفه تجاه قضيتي التطبيع والمقاطعة. وقد برز هذا التلعثم بوضوح مؤخراً خلال السجال الدائر منذ ثلاثة أسابيع حول إمكانية مجيء دانيال بارينباوم للمشاركة في فعالية موسيقية طلبت مؤسسته، التي تتخذ من إسبانيا مقراً لها، استئجار قصر رام الله الثقافي، التابع إدارياً لمجلس بلدية رام الله، لإقامة الفعالية فيه، وذلك بدعم من مؤسسات ثقافية محلية لم يصدر عنها، حتى اللحظة، موقف رسمي. وقد استهجنت الهيئات الموقعة على البيان، عدم صدور موقف رسمي عن أي من المؤسسات الفلسطينية الداعمة، أو المنظمة، والتي تم الاتصال معها على امتداد الأسابيع الثلاثة الماضية. كما تجدر الإشارة إلى مجموعة من القضايا التي ينبني عليها موقف رفض مشاركة بارينباوم أو منح أي من مؤسستيه عقداً لإقامة هذه الفعالية.
من الواضح أن إقامة هذه الفعالية على أرض مدينة رام الله، وبتغطية من بعض المؤسسات الرسمية والأهلية فيها، يضعف أهم ثلاث مبررات أخلاقية وقانونية تستخدمها حملات مقاومة التطبيع مع إسرائيل ومقاطعتها على المستويين العربي والعالمي، ويخرقها، وهي: رفض إسرائيل الاعتراف بالمسؤولية عن نكبة الفلسطينيين، وما شملته من تطهير عرقي خلق قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإنكارها للحقوق المكفولة للاجئين في القانون الدولي، وأهمها حق العودة-أي حقوق الفلسطينيين في الشتات خارج أرض فلسطين التاريخية؛ وتواصل الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية-أي حقوق الفلسطينيين القاطنين في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1967؛ واستمرار التمييز العنصري الشامل ضد فلسطينيي فلسطين المحتلة في العام 1948 والتفرقة العنصرية الناجمة عنه، على نحو يداني نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا- أي حقوق الفلسطينيين القاطنين، كسكان أصليين، في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948.
ولعل من الجدير بالذكر أن انطباق مفهوم التطبيع على الأعمال التي تقوم بها مؤسستا بارينباوم ليس وحده ما يؤذي الدفاع الأخلاقي عن هذه الحقوق من قبل الشعب الفلسطيني كافة، ومن قبل المؤسسات والهيئات التي أصدرت البيان المذكور بخاصة، بل إن مواقف بارينباوم الشخصية تشهد على تنكره لمعظم هذه الحقوق، أو تجنب ذكرها (كما نجح حتى اللحظة من كتابة كلمة "لاجئ" في أي من مقالاته)!، وعلى حرصه على تحويلها من "حقوق" إلى "ضرورات تاريخية للمصالحة والقبول" تبعاً لكتاب اسبينوزا في الأخلاق-رفيقه الدائم في الأسفار، ومثله ديوان غوته! كما تجدر الإشارة إلى أن معارضة إقامة هذه الفعالية غير مبنية على رفض هوية بارينباوم الدينية أو القومية أو الثقافية، بل هي رفض لمواقفه السياسية اللا-أخلاقية التي تتماهى مع الثقافة الصهيونية السائدة في إسرائيل، والتي حاول بارينباوم تسويقها منذ قرابة عقدين بغطاء السعي لـ"ثقافة السلام والقبول" على العامة ممن قد لا يعرفون مواقفه الحقيقية.
ولعل افتخار بارينباوم، دائماً، بأنه يسمي المؤسسة التطبيعية، التي شكلها للأسف مع الراحل الكبير إدوارد سعيد، قبل أن يتراجع سعيد عن كثير من مواقع تجاه ما يسمى بـ "اليهود الليبراليين"، ونكتة اليسار الإسرائيلي الذي ضلل سعيد كما ضلل من قبله الكثير من القوى السياسية، وبعد أن أمعن بارينباوم في إساءة استخدام المؤسسة بعد رحيل سعيد ــ إن افتخاره بتسميتها بـ "جمهورية الديوان الغربي الشرقي المستقلة وذات السيادة" التي "يستطيع الطلبة فيه التنقل دون نقاط تفتيش، ودون عمليات إرهابية، دون أن يمنعهم أحد من حق الصداقة"، إن هذا الاستخفاف بالعقول، ووصف الحواجز، بنقاط التفتيش، والمقاومة بالإرهاب، والتطبيع بحق الصداقة، يتيح لبارينباوم أن يسيء للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ويسميه بالإرهابي، ومثله المقاومة الفلسطينية، كما يتيح له تسمية وحشية إسرائيل بـ"رد الفعل"، و"الحق في الدفاع عن النفس".
ثمة الكثير من المواقف الصهيونية لبارينباوم، ولكن أهمها تفاخره المتواصل بعالمية اليهودية كثقافة تنوير وتسامح، وانبهاره بقادة الحركة الصهيونية وعلاقته المتميزة ببعضهم من أمثال بن غويرون، وموازاته بين الجلاد الإسرائيلي والضحية الفلسطينية عبر إلحاحه على ضرورة تجاوز تساؤل: "من بدأ الصراع ومن يحمل المسؤولية الأخلاقية عنه؟" ما يؤدي إلى إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها التاريخية عن نكبة الفلسطينيين وما نتج عنها من عدم تحقيق العودة وإقامة الدولة؛ إلى غير ذلك من المواقف التي تنفي ارتباط إسرائيل بمشروع استعماري، وتروج لأسطورة إسرائيل كـ "دولة يهودية ديمقراطية" في آن. إن مواقف بارينباوم هذه لتضعه على رأس من يجمِّلون الاحتلال، ويبررون للفاشية، ويمنحون صكوك الغفران لإسرائيل كدولة إرهاب مارست ولا تزال جرائم الحرب في حق الفلسطينيين على امتداد واحد وستين عاماً من الاحتلال. ففي حفل تسلمه لجائزة موسى بن ميمون، وفي غيرها من المناسبات، يكثر بارينباوم من التغني بإنسانية اليهودية، ويعرف نفسه كمنتم لهذه الديانة الإنسانية رغم ما فيها من عنصرية وإقصاء استغلته الصهيونية. وكذا، فإنه يكثر من التغني بوجود "صهيونية روحانية"، وأن واحداً كمارتن بوبر كان صهيونياً روحانياً، ومثله بن غوريون!
أما ازدواجية مواقف بارينباوم وتصريحاته في الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية، وحصره للمظلمة التاريخية للفلسطينيين باحتلال العام 1967 وإسقاطه لفكرة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة من قاموسه بشكل قاطع، ودفاعه عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وترديده، أثناء الحرب العدوانية على غزة، للبروبوغاندا الإسرائيلية التي تفرق بين الشعب والمقاومة، ووسمه للمقاومة الفلسطينية-التي أجازتها لهم معاهدة جنيف الرابعة كما أجازتها لكل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال- بالإرهاب، فأكثر من أن تعد. فمشكلة بارينباوم، كما يبدو، ليست في عدم عدالة حروب إسرائيل، بل في أن الانتصارات العسكرية لتلك الحروب قادت إلى هزائم سياسية. أي إن المسوغات الأخلاقية التي طرحتها إسرائيل لحروبها مقبولة لدى بارينباوم، وبخاصة تلك المتعلقة بالأمن. إنه حين ينفي البعد السياسي عن الصراع في الشرق الأوسط يجعل من إسرائيل كياناً طبيعياً لا مشروعاً استعمارياً، وذلك بقوله إن "الصراع هو صراع غير سياسي". وما ذلك إلا لأمر واحد، وهو نفي مفهوم حق العودة والمسؤولية الأخلاقية والتاريخية لإسرائيل عن ذلك. وقد أكد بارينباوم ذلك في بيانه الموقع للأسف من قبل مجموعة من المثقفين والأكاديميين العرب في "الغارديان" بتاريخ 1 كانون الثاني 2009، وفي مقالته "غزة والسنة الجديدة" التي ظهرت في الصحيفة ذاتها، والتي يساوي بارينباوم فيها بين الجلاد والضحية، ويدعو إلى التسامح، ويسم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب. ولكن الأدهى من ذلك أنه يقف إلى جانب إسرائيل، ويعتقد أن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها هو أمر مفروغ منه أو self-evident.
إن هذه المقولات تتطابق تماماً مع ما تبناه وكرره بارينباوم، في السابق، من المقولات الإسرائيلية الرسمية المسيئة بحق القائد الشهيد ياسر عرفات، بوسمه بالإرهابي والعقبة في طريق السلام، والمنكر لمعاناة اليهود، ومسؤوليته عن الصراع وبخاصة عن اندلاع انتفاضة الأقصى نتيجة "لرفضه عرض باراك السخي في كامب ديفيد". كما يذكر من مواقفه، ما ظهر في خطابه لمناسبة تسلمه جائزة ولف، في العام 2004، حيث مدح ورمنس إعلان الاستقلال الإسرائيلي، ورأى أن المشكلة الأخلاقية ليست في وجود إسرائيل كدولة استعمارية ومتورطة مع مشروع استعماري، بل لأنها لم تطبق "القيم السامية الواردة في إعلان الاستقلال..قيم العدل والمساواة بين كل مواطني الدولة." لا يرى، بارينباوم إذاً، مشكلة في فكرة إسرائيل، بل في الفجوة بين الفكرة والواقع على امتداد ستة عقود من عمر الدولة، وعلى الرغم من ثبوت عنصرية الفكرة والدولة، من قرار الأمم المتحدة بعنصرية الصهيونية إلى قرار الأمم في ديربان بعنصرية إسرائيل. هذا بالإضافة إلى ما يروج له بارينباوم من أسطورة أن إسرائيل دولة ديمقراطية ويهودية، التناقض الذي يناضل من أجل فضحه كل من يعاني من التمييز العنصري الإسرائيلي، في حين أن بارينباوم يطالب، والحق يقال، أن يتم معاملة هذه الأقلية بصورة قانونية وديمقراطية، و"إن أدى ذلك إلى خدش طبيعة يهودية الدولة!".
إننا إذ نقرأ تصريحات بارينباوم، ونتابع مواقفه، قبالة تسامح الضحية الفلسطينية، في قضية بارينباوم وغيره، التسامح المكتوب بدمها في القصائد، ووثائق الاستقلال، والميثاق، ونداءات النكبة، ومرافعات القادة في الأمم المتحدة، لنتذكر الرواية الإسرائيلية التي تطل برأسها النافي شعرياً، وفكرياً، وعسكرياً. نتذكر شاعر العبرية الأكبر يهودا عاميخاي، أهم شعراء العبرية بعد الملك سليمان، و"رئيس أركان اللغة العبرية"، كما وصفه يوسي سريد عند تأبينه، حين يطلُّ ببلاغة السلب التي في شعره ليؤسس لذاكرة عوراء لا ترى إلا اليهودي الخارج من مأساته الأبدية، دينه وقوميته، منتصراً أو خائباً، لكنه، في كل الحالات، ضحية لنفسه أو لغيره:
لم أكن واحداً من الملايين الستة، من قضوا في المحرقة، لم أكن حتى من الناجين.. لم أكن واحداً من الستمائة ألف الخارجين من مصرَ بل جئتُ لأرض الميعاد بحرأً.. لا، لم أكن في ذلك العدد، رغم أن فيَّ الدخانَ والنارْ أعمدةٌ من الدخان والنار تسيِّرني ليلاً ونهاراً.. ولا زال بي بحث الجنون
يحيل هذا المقطع إلى عُقدة المناعة الأخلاقية التي يطرحها الفكر الصهيوني، بوصف الذات اليهودية هويةً متعالية تكمن فيها الفرادة وأصل الأشياء، بينما تتناثر حولها كل الذوات الأخرى كهويات مسخ لا تنوجد إلا كاستكمالات ديكورية في مشهدية الصورة الأصل وخطاب الدفاع عن بلاغته الشوفينية. وإن العنف الرمزي الذي يشحن هذا الخطاب يؤكد ما تحمله عنفية الكتابة الشعرية، أو السياسية المتلحِّفة بألق الشعر، من كتل نمطية جاهزة ومؤطَّرة إلى تحويل الآخر (الفلسطيني) إلى فائض أسطوري، أو ديكور بلاغي لاكتمال الأسطورة الصهيونية عن ذاتها في حربها ضد الأغيار. وهو، دون شك، خطاب سَلْبٍ: بلاغياً وفلسفياً. أما بلاغياً، فهو يستحيثُ صور الماضي الذي كان، ويردد مجازاتها. وأما فلسفياً، فيعمد إلى نفي الآخر قبل أن يعمد إلى إثبات الذات، أي إن حجته المنطقية في تعريف الذات تبدأ بأقوى حِيل المنطق في التعريف، وهي النفي، لكنها تندرج ضمن أضعف أشكال الكينونة في تحديد الوجود، وهو نقيض اللا-موجود عوضاً عن الموجود الكامل بامتيازه. ولكن السلب، كما يقترح دريدا، لا يقوم إلا على تقادمِ إيجابٍ فظٍّ سابق عليه. وبالتالي، فإن تفكيك السلب القائم ليس يهدف إلى استحاثة مفاهيم الإيجاب الفظ، بل إلى كشفٍ لحدوده يأكلُ، عبر تواصل التفكيك، ماهيتَه بكليتها.
ربما يجدر التوقف عن مساءلة الشعر، الذي قد يتهمه المؤرخون والمفكرون، كما اتهمه الشعراءُ والموسيقيون، بالمراوغة والأسطرة. ربما يجدر الالتفات إلى إحداثيات الحبكة التاريخية الإسرائيلية كما يقدمها بيني موريس، أحد مؤرخيها الجدد الذين كان أول خروجهم في منتصف عقد الثمانينيات على فاشية الرواية الصهيونية الكلاسيكية لأحداث حرب 1948، إن مراوغة بارينباوم، وعدم تعرضه لخطيئة إسرائيل الكبرى، تذكرنا بتبرير بيني موريس في مقابلة بعنوان "عودة البرابرة" مع آري شفيط، الصحفي ذاته، للمفارقة، الذي أجرى مقابلة مشابهة مع إدوارد سعيد قبل أربع سنوات، ولملحق صحيفة هآرتس ذاته، جرائم الحرب التي ارتكبت ضد الفلسطينيين قبيل حدوث النكبة، وإبانها، وبعدها، وبخاصة أعمال الطرد الجماعي والإبادة، مؤكداً أن الفلسطينيين هم البرابرة الذين كان ثمة ضرورة للتخلص منهم. يقول موريس حرفياً: "ليس ثمة تبرير لأعمال الاغتصاب، ولا تبرير للمجازر، هذه جرائم حرب، ولكن في ظروف معينة فإن الطرد لا يشكل جريمة حرب، وأنا لا أعتقد أن عمليات الطرد في العام 1948 كانت جرائم حرب. إذ ليس بوسعك أن تقلي عجة من دون أن تكسر البيض، يجب عليك أن توسخ يديك. مجتمع ينهض لقتلك، يجبرك على تدميره. وعندما يكون الخيار بين أن تدمر عدوك أو يدمرك، فمن الأفضل أن تدمره.. عليك أن تتذكر أن الشعب العربي حظي بقسم كبير من الكرة الأرضية، ليس بفضل مؤهلاته ومزاياه الكبيرة، وإنما لأنه احتل وقتل وغيَّر دينَ المحتلين طوال أجيال. وفي النهاية هناك للعرب اثنتان وعشرون دولة، ولم تكن للشعب اليهودي أية دولة. لم يكن هناك أي سبب في العالم لأن لا يمتلك دولة واحدة. ولذلك، فإن الحاجة لإقامة هذه الدولة، في هذا المكان، تتغلب على الظلم الذي وقع على الفلسطينيين عبر اقتلاعهم. نعم. وحتى الديمقراطية الأميركية الكبرى، لم يكن بوسعها أن تتحقق من دون إبادة الهنود الحمر. هناك حالات يبِّرر فيها الخيرُ الشاملُ، النهائيُّ، أعمالاً صعبة ووحشية في المسار التاريخي".
ربما يجدر التأكيد أن صاحب هذه المقولات هو بيني موريس، الذي يصوَّر أحياناً بوصفه الأب الروحي لحركة المؤرخين الجدد، وليس رحبعام زئيفي، الراحل غير مأسوف عليه بعد أن كان، رئيس حزب موليدت. إنها خمرة بن غوريون القديمة وبارنباوم الجديدة التي مؤداها "وجود إسرائيل أهم من صورتها"، في كؤوس جديدة نالت مديح الفلسطينيين، ومن ضمنهم درويش وإدوار سعيد نفساهما، رغم أن حركة المؤرخين الجدد لم تكن سوى حلقة أخرى من حلقات إراحة الضمير الإسرائيلي من "عقد ذنبه" في طرد الفلسطينيين من وطنهم، وطرد حبكتهم من التاريخ. وقد تجلت هذه النزعة في العقدين الأخيرين من خلال ظهور حركة المؤرخين الجدد (ضمن تياري الصهيوينة الجديدة وما بعد الصهيونية)، وغيرها من الاعتذاريات في صفوف المثقفين، وحتى في جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر "حركة الريفيوزنكس" أو "رافضي الخدمة في الجيش".
هذا كله جزء من الرؤية التنقيحية للرواية التاريخية الصهيونية الكلاسيكية التي كان من أبرز ركائزها رواية أحداث قيام دولة إسرائيل على نحو يمكن تلخيصها في: إنه بينما رفض العرب خطة التقسيم للعام 1947 المبنية على توصيات لجنة بيل، قبلها اليهود؛ إن حرب الاستقلال الإسرائيلية، أو النكبة الفلسطينية، خيضت بين ديفيد الضعيف، المتمثل بالعصابات الصهيونية، وجالوت الجبار، المتمثل بالقوات العربية؛ إن مشكلة اللجوء الفلسطيني لم تنشأ نتيجة لفعل القوة والمذابح الصهيونية، بل نتيجة لدعوات القادة العرب للفلسطينيين بالرحيل للتمكن من رمي اليهود في البحر؛ إن العرب هم من رفضوا كل مقترحات السلام بعد الحرب، وإن إسرائيل قبلتها؛ وإن السياسات التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين المواطنين فيها، وأولئك الذين في الضفة والقطاع والقدس، إنما هي للحفاظ على إسرائيل من الزوال قبالة أعمال الإرهاب التي يقصد منها الفلسطينيون إزالة دولة إسرائيل عن الخارطة.
إن هذا الميل الذي جاءت بها الصهيونيات التنقيحية في العقدين الأخيرين يندرجُ ضمن المشروع الصهيوني الأكبر لتطبيع اليهودي، أو أنسنته، أي جعله إنساناً طبيعياً يجرم، ويعتذر عن جرمه. ومع أن الجهد البحثي لهؤلاء المؤرخين هو جهد إيجابي للاعتراف بحصرية النظرة الإسرائيلية إلى الآخرين وإلى الآخر الفلسطيني بخاصة وتعريفه السلبي، إلا إنه لا ينبغي المبالغة في الاحتفالية التي قد تجعل من هذا الاعتذار الباهت تحويلا "للخطيئة" التاريخية في حق الفلسطيني إلى "خطأ" تاريخي يلغي حق العودة وإقامة الدولة، ككفارة واجبة لعملية الطرد وكسر الحداثة الفلسطينية.
قبالة هذه الغوغاء التي مارسها مرة بيني موريس، ويمارسها بارينباوم ضيف رام الله المتوقع، والذي يبدو أن البعض أخذوا مقولة عربية قديمة على محمل الجد في الترحيب به: "يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل!". قبالة هذا التهالك في التسامح مع بارينباوم، ثمة تسامح ربما كان فائضاً بعض الشيء عن حاجته، سطره محمود درويش وإدوارد سعيد. ففي واحدة من أبلغ التعبيرات الشعرية الفلسطينية عن تلازم حضور الآخر النقيض في تشكيل الذاكرة الفلسطينية التي تؤسس للحبكة القومية العليا، وانعدام إمكانية صياغة تلك الحبكة دون وجود آخرٍ يُخرج الذات الجماعية من حدّ "الوجود بالقوة" إلى حدّ "الوجود بالفعل" عبر المعاناة التي يفرضها الشرط الاستعماري. بقدر ما يمتلك الشعرُ من دهاء ومراوغة، وبقدر ما يمكن للشاعر أن يكون خبيراً في التلطُّف، وفناناً في التجنُّب، تؤسس مقولة درويش السابقة مَعْلماً جمالياً لأساطير التمدن والتوحش التي تؤكد سرمدية النزعة الصدامية بين الشرق والغرب، أو الشمال والجنوب، وامتدادها إلى ما يزيد على خمسة قرون يؤرخها مشروع الحداثة الممركز أوروبياً. والقصيدة إذ تقول ذلك، فإنها تؤكد، عبر تأسيسها لاستحالة "توحيد الأرضِ العنيدةِ خارجَ السيفِّ المرصعِ بالحماسة"ِ، على مركزية مقولة سمير أمين الشهيرة بأن "الهيمنات تتعاقب، ولا تتشابه"، المقولة التي تؤسس إلى تداور قصة الهيمنة بين نوعين من الأمم: واحدة تؤسس حبكة سيادتها "الحضارية" على حساب نفي حبكات غيرها من الأمم، وأخرى يتم زجها إلى درك "البربرية والتوحش"/ "فتحٌ وفتحٌ مضاد"، كما يؤسس درويش في وصفه لأندلس ليست كأندلس بارينباوم التي كان في كل مرة ينسبها لأوروبا بدلاً من نسبة التسامح مع اليهود فيها للدولة العربية. ففي خطاب له بعنوان: "سلطة الموسيقى: التزام أوروبا في الشرق الأوسط وفي العالم"، ألقاه في بروكسيل، يصف بارينباوم إسرائيل بأنها "مفتاح السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط والعالم"، وأن على أوروبا، وبخاصة ألمانيا وإسبانيا المساهمة في دفع عملية السلام وإنقاذ إسرائيل من المحيط المعادي لها. إنه يشير إلى جزء من هذا التناقض الأوروبي الذي أنتج أعظم تناقض في تاريخ اليهود وأعظم تناقض في تاريخ إسرائيل بالمناسبة، التناقض بين العصر الذهبي في الأندلس وعصر الهولوكوست في ألمانيا، وبين الأشكيناز-الغربيين، أي الألمان الذين يحكمون إسرائيل اليوم، والسفاراديم، أي الإسبان-الشرقيين الذين تستغلهم إسرائيل وتميّز ضدهم كمواطنين درجة ثانية. لكن بارينباوم، يفشل في، أو لا يرغب في الإشارة، إلى أن العصر الذهبي كان في عهد الدول العربية، وأن الهولوكوست أنتجتها عقلانية أوروبا المفرطة وسياسات الهوية التي أنتجتها تلك العقلانية. أما محمود درويش، فيتقن وصف الأندلس بميزان من الماس الشعري النبيل الذي يتقن حوارية ابن رشد وابن ميمون، ولكن ليس على طريقة بارينباوم:
في المساء الأخير على هذه الأرض نقطع أيامنا عن شجيراتنا،
ونعدّ الضلوع التي سوف نحملها معنا
والضلوع التي سوف نتركها ههنا... في المساء الأخيرْ
لا نودّعُ شيئاً، ولا نجد الوقت كي ننتهي..
كل شيء يظل على حاله، فالمكان يبدّل أحلامنا
ويبدّل زواره. فجأة لم نعد قادرين على السخريةْ
فالمكانُ معدّ لكي يستضيف الهباءَ. هنا في المساءِ الأخيرْ
نتملى الجبال المحيطة بالغيم: فتحٌ.. وفتحٌ مضادْ
وزمان قديم يسلّم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا
فادخلوا، أيها الفاتحونَ، منازلنا واشربوا خمرنا
من موشحنا السهلِ. فالليل نحنُ إذا انتصف الليلُ، لا
فجرَ يحملهُ فارسٌ قادمٌ من نواحي الأذان الأخيرْ..
شاينا أخضرٌ ساخنٌ فاشربوهُ، وفستقنا طازجٌ فكلوهُ
الأسرَّةُ خضراءُ من خشبِ الأرزِ، فاستسلموا للنعاس
بعد هذا الحصارِ الطويلِ، وناموا على ريش أحلامنا
الملاءات جاهزةٌ، والعطورُ على البابِ جاهزةٌ، والمرايا كثيرةٌ
فادخلوها لنخرجَ منها تماماً، وعمّا قليل سنبحثُ عمّا
كانَ تاريخَنا حولَ تاريخِكُم في البلاد البعيدة
وسنسأل أنفسنا في النهايةِ: هل كانت الأندلس
ههنا أم هناكَ؟ على الأرضِ، أم في القصيدةْ؟
هنا، أيضاً، ولمناسبة بارينباوم، ينبغي الاستشهاد بإدوارد سعيد، المصنفِ حكماً، وانتماءً، وموقفاً أخلاقياً في صف الضحية، يجيب أثناء مقابلة مع الصحافي الإسرائيلي آري شفيط بعنوان: "حقي في العودة"، بعيد الضجيج الإعلامي الغربي، والسعار السياسي الصهيوني حول زيارة سعيد للبنان في مطلع تموز من عام تحرير الجنوب اللبناني، عام 2000، على أهم أسئلة مقابلة شفيط مع سعيد، وهو سؤالٌ عن النكبة واللجوء، وآخر عن الحبكة التاريخية، وعن ماهية الصراع. يجيب المفكر إدوارد سعيد، مستعيناً بالموسيقي إدوارد سعيد، وبمحادثةٍ مع بارنباوم القادم إلى رام الله بعد أن شتم شهداءها ومقاومتها، قائلاً: "إنه صراع مذهل. لقد كنت أقول لدانيال في ليلة ماضية، تأمل هذه السلسلة من الأحداث: العداء للسامية، الحاجةُ إلى إيجاد وطن لليهود، فكرة هرتزل الأصلية، التي كانت فكرة كولونيالية بالتأكيد، ومن ثم تحوُّل ذلك إلى أفكار اشتراكية حول اليشوف والكيبوتس، وبعدها المحنة إبان هتلر، ووجود أناس مثل إسحق شامير كانوا معنيين حقاً بالتعاون مع هتلر (يقصد لعقد معاهدات الهعفراه لتهجير اليهود إلى فلسطين)، وإثرها الإبادة الجماعية التي حصلت لليهود في أوروبا، ومن ثم الأفعال التي تم اقترافها ضد الفلسطينيين في فلسطين. عندما تفكر في ذلك، وعندما تتأمل في اليهودي والفلسطيني، لا على نحو منفصل، بل مجتمعين كسيمفونية، تجد شيئاً مذهلاً مفروضاً هنا. تجد تاريخاً غنياً للغاية، تراجيدياً للغاية، وفي نواح كثيرة، تجدُ تاريخاً بائساً للنقائض، أو المتناقضات بالمعنى الهيغيلي، التي لا تزال تبحث عمن ينصفُها. ولذا، فإن ما تواجهه هنا هو هالة مذهلة لسلسلة من المآسي، والخسائر، والتضحيات، والألم الذي قد يحتاج دماغَ باخ ليفهمه. أو قد يتطلب مخيال واحدٍ كـ إدموند بورك ليسبره".
يدشِّنُ إدوارد سعيد هذا البناء الفكري الجمالي لتقاطع مصائر ضحيتين تاريخيتين، دون أن ينزلق إلى "ضرورات تعديل الحبكة التاريخية للفلسطينيين" التي ربما انزلق إليها محمود درويش مرةً. يدشِّنُ هذه الرواية الإنسانية ومن ثم يصرُّ على حق عودته إلى بيته في حي الطالبية في القدس، وحقه في العيش في ظل دولة فلسطينية حُرم منها أكثر من نصف قرن من الزمان. سعيد ودرويش، إذن، يصوغان ذاكرة الضحية-الفلسطينية، إنسانياً، بميزان الذهب، مؤكدين أن حدود الحبكة التاريخية الفلسطينية تتجلى في خطيئةٍ-نكبة عام 1948 أدت إلى طرد الفلسطينيين إلى البحر والصحراء، وحالت دون تمكنهم من إقامة دولتهم وحداثتهم الخاصة، وكفَّارةٍ-خلاص تضمن للاجئين حق العودة وللفلسطينيين جميعاً حقَ تقرير المصير، والعيشَ في دولتهم، واستئنافَ حداثتهم على أرض قصتهم التاريخية الرعوية والحديثة، على حد السواء، بين القدس، وطبريا، وبيت لحم، والناصرة.

هذه هي مقولاتنا الفلسطينية التي نعرفها ونستدل بها وندلل على أنسانيتنا ومظلمتنا التاريخية، وتلك مقولات بارينباوم ورفاقه في "الصهيونية الروحانية" التي لا يبدو أن المرحبين به من جمهور رام الله، السياسي، والثقافي، والتنظيمي، قد اصطدموا بها قبل أن يعرِّفوا بارنباوم بمقولتنا العربية الجارحة: "يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل"!

http://www.al-ayyam.ps/znews/site/template/article.aspx?did=116191&date=7/7/2009

اضيف بتاريخ 07-07-2009



   
 

 





         

 


حول الحملة

تاريخ الحملة
من نحن
نداء الحملة للمقاطعة
نداء المجنمع المدني
بيانات ورسائل الحملة

معايير ومواقف الحملة

موارد الحملة

وثائق رئيسية
روابــط
أخبـــــار وآراء

مبادرات للمقاطعة

مبادرات فلسطينية وعربية
مبادرات دولية
فعاليات قادمة حول المقاطعة

اتصل بنا

English

PACBI, P.O.Box 1701, Ramallah, Palestine pacbi@pacbi.org
All Rights Reserved © PACBI