أخبار و آراء >
Send Email Print Bookmark and Share

حزامه حبايب | الدستور | 4-6-2012

حزامة حبايب : حين أصبحت «لائي» مسموعة

 في مطلع أيار الماضي، فتحتُ بريدي الإلكتروني على دعوةٍ، موجَّهة لي كما لعدد من الأديبات، لزيارة مدوَّنة إلكترونية تحتفي بأنطولوجيا شرق أوسطية منتظرة تشمل قصصاً بتوقيع نخبة من كاتبات الشرق الأوسط، يعتزم مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة تكساس الأميركية إصدارَها في الخريف المقبل، كمشروعٍ استغرق عليه العمل سنوات. حوت الأنطولوجيا أعمالاً قصصية لنحو ثلاثين كاتبة، نصفهن من العالم العربي – أنا منهن تحت تعريف أديبة فلسطينية – والأخريات من تركيا وإيران وأفغانستان، وبالطبع فإن الشرق الأوسط وفق التفسير الأميركي «الفضفاض» لا يكتمل دون إسرائيل؛ فقد جاورت أسماءنا – بإلحاح – كاتبتان إسرائيليتان، هما: يهوديت هندل وأورلي كاستل – بلوم. (تعدّ هندل من أبرز الأسماء المحتفى بها في المؤسسة الرسمية الثقافية للكيان الاحتلالي، حيث نالت جوائز عديدة من بينها «جائزة القدس» وجائزة «بياليك» و»جائزة إسرائيل»؛ فيما نالت كاستل – بلوم «جائزة رئيس الوزراء» مرتين كما نالت «جائزة تل أبيب» عن الرواية.)




عدتُ إلى «فلسطينية» كتعريف لي في قائمة الكاتبات الواردة أسماؤهن في المدوَّنة، فراعني كم أن هويّتي – في القراءة الثانية المتمعِّنة – كانت تكابر كي تظل واقفةً على أحرفها! تداعت هويتي في انعكاس دموعي على شاشة الكمبيوتر. (أبكي؟! أنا؟ بعد كل هذا العمر وكل هذا «الضرب» أبكي؟!). أعتقد أنني شعرتُ بالغضب أكثر مما شعرتُ بالحزن. لم أحتجْ إلى وقت كي أقلّب الأمر على أوجهه. لوحة مفاتيح وثورة داخلية هما كل ما كان بحوزتي في حينه، والأهم أنني كنت – وما أزال – أحمل في نسيجي وجَعاً وضياعاً وشتاتاً عابراً للأجيال. «بينما وُلدتْ الكاتبة الإسرائيلية يهوديت هندل في وارسو، ببولندا، وهاجرتْ إلى حيفا في فلسطين، ولدتُ أنا في الكويت لعائلة فلسطينية لاجئة، وقد أُنكِر عليّ حق العودة إلى فلسطين، وطني. إنني أنتمي للجيل الثاني من الدياسبورا الفلسطينية، ممن طُرودا من أرضهم كنتيجة لـ’النكبة'، وهو ما تطلق عليه إسرائيل زعماً ’الاستقلال'... لا أستطيعُ أن أشاطرَ صوتي مع كاتبتين تعكسان صوت محتلٍّ بغيض». كان ذاك بعضاً مما جاء في شرارة الغضب الأولى التي سدّدتُها في وجه محرِّرة الكتاب، ولم أتخيّل حينها أن ثلاثمائة كلمة، هي حجمُ رسالتي الاحتجاجية الأولى باللغة الإنجليزية، كانت ستتحوّل على مدى إحدى وعشرين يوماً، خلال زمنٍ مشحون ومكثّف في حملة محمومة خضتُها بلا توقف، إلى آلاف الكلمات، ضمن عشرات الرسائل التي تبادلتُها مع زميلاتي الكاتبات ومع القائمين على مشروع الأنطولوجيا.



لقد بدأتُ صوتاً وحيداً، شبه مخنوق، شبه منطوٍ، وانتهيتُ بصوت عالٍ، تسندني عشرات الأصوات البديعة، اتحدّت على كلمة «لا»، وقد أثبتتْ كما أعلنتُها في «مانيفستو» غاضب لمحرري الأنطولوجيا، أنه: «حين يتعلق الأمر بالقضية الأكثر عدالة في تاريخ البشرية، فنحن كلنا فلسطينيون.»



إذْ وافق مركز دراسات الشرق الأوسط في البداية على سحب قصتي من المشروع، وشطبها من المدوَّنة، عرفتُ أنني لا أستطيع أن أتوقفَ عند اسمي. فهناك المصرية وهناك العراقية وهناك اللبنانية وهناك السعودية وهناك المغربية وهناك التونسية.. هناك خريطة القهر العربي كلّه. قررتُ أن أصِلَ لهنّ حتى وإن كنّ في آخر الأرض.



كتبتُ رسالةً مفصّلةً، شرحتُ فيها ملابسات الموضوع، أرفقتُها برسالة انسحابي من المشروع، ودوافع انسحابي، ثم عدتُ إلى مدوّنة المشروع وكتبتُ أسماء الكاتبات العربيات المشاركات، وهنّ وإن كانت إبداعات كثيرات منهنّ قد رافقت شِقّاً «جميلاً» من تكويني الثقافي والإنساني، إلا أنهن مجهولات العناوين بالنسبة لي. «امشِ ورا قلبك»، يقولون، وقلبي قادني إلى رضوى عاشور، المبدعة المصرية العنيدة، التي لا يتوارى ضياؤها في مخزون صداقات العمر. أرسلتُ لها «عريضتي»، وكما توقعتُ جاءني صوتها دافئاً عبر الإيميل، ثم حنوناً ومربِّتاً عليّ عبر الهاتف. ضمّت عاشور صوتَها إلى صوتي دون تردّد، ورفعتْ رسالةَ احتجاج قاسية إلى المحررة المشرفة على الأنطولوجيا تهدِّدُ بسحب قصّتها في حال الإصرار على إقحام مساهمتي الكاتبتين الإسرائيليتين، وهو تهديد عزّزته عاشور بالتمسك بالقيمة الأخلاقية لمقاطعة الرموز الثقافية للكيان الاحتلالي العنصري.



أصبحنا صوتين.. ثم ثلاثة أصوات واثقة، ملحاحة، إذ كانت الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة، الكردية الآسرة، قد وصلتْها عريضتي (بعدما حصلتُ على إيميلها من الكاتبة والصديقة العراقية إنعام كجة جي في باريس)، فجاءتني كلماتها من لندن، حيث تقيم، تشدّ على يدي، ولترفع بدورها رسالة تطالب بسحب قصتها هي الأخرى في حال أصرّ المركز على أن تزاحمنا الكاتبتان الإسرائيليتان في الكتاب. ومن هيفاء إلى المبدعة المغربية ليلى أبو زيد، التي عانقني صوتها عبر الهاتف – من بيتها في الرباط – بحرارة، ثم كان أن أمّنت لي هيفاء رقم هاتف الكاتبة اللبنانية إميلي نصر الله في بيروت، والتي تفاجأت بدورها، ولم تحتمل فكرة «المشاركة» الثقافية مع العدوّ!



مع تتالي رسائل الكاتبات المهدِّدة بالاحتجاج، تراجع المركز الأميركي عن موافقته الأولى بسحب قصتي، رافضاً، على حدّ قوله، تحويل القضية إلى سياسية، مصرِّاً على المضيّ قدماً في المشروع، من منطلق أن ما يجمعنا كمبدعاتٍ ونساء مع «نظيرتيْنا الإسرائيليتيْن» أكثر مما يستوجب الفرقة والتفريق!



اتخذت الحملة – حينئذ - خطوة تصعيدية؛ ففي رسالة ثانية أرسلتُها للمحررة المسؤولة عن الأنطولوجيا، وتبادلتُها مع زميلاتي الكاتبات، جددتُ رفضي الصريح بأن أتقاسم صوتي وعذاباتي مع رموز دولةٍ احتلالية ذات ماضٍ وحاضرٍ شائنيْن، مهددةً بأن أحوِّل المسألة إلى قضية رأي عام: «قد يُنكَر عليَّ حقّي في العودة، وقد يكون مقدَّراً لي أن أحملَ ’وصمة' لاجئة حتى نهاية عمري، وقد أورِّث هذه الوصمة، للأسف، لولديّ؛ لكنّني على الأقل أملكُ صوتاً، وأستطيع أن أقول: لا... وسوف أحرصُ على أن تكون لائي مسموعةً، وبصوت عالٍ». ختمتُ رسالتي الغاضبة، وقد قرّرنا ككاتبات، إذ ارتفعت وتيرةُ التنسيق فيما بيننا، وبدأ جهدُنا يأخذ مساراً أكثر تنظيماً، ألا نحيدَ عن هدفنا. «يجب أن ننسحب».



ورضخ المركز لإرادتنا، وأمهلنا حتى 21 من الشهر الماضي كي نقدِّم طلبات انسحاب رسمية، مفرِّطاً بمساهماتنا القصصية مقابل تمسّكه بمساهمتي «الكاتبتين الإسرائيليتين». على أنه في حال انسحاب عدد كبير من الكاتبات، كما أوضحت إدارة المركز، فسوف يتم إلغاء المشروع.



تبادلنا ككاتبات «عربيات» التهاني. عرفتُ في تلك اللحظة ماذا يجب أن نفعل: يا ربّات الحكمة.. علينا أن نقتلعَ المشروعَ من أساسه! أعلنتها لهن، فوافقنني على حكمة الاقتلاع! المهم هو أن نصلَ لبقية الكاتبات العربيات «المغيَّبات» عن حقيقة المشروع «الفخ»، كما وصفته. كان أمامي نحو ثمانية أيام لتحقيق الهدف. هنا، بدأ السباق الماراثوني. من جانبهما، حرصت زنكنة وأبو زيد، بحماسة على أن توفرا لي أي هاتف أو إيميل يمكن أن يساعدني في الوصول إلى كاتبة أو شخص قد يفيدني في الوصول إلى الزميلة المعنية.. ثم ساعدنا في مهمة توفير العناوين الدكتور عيسى بلاطة، أستاذ الأدب العربي المتقاعد في جامعة ماكغيل بمونتريـال، كما ساهمت الكاتبة جين سعيد مقدسي، في لندن، في توفير العديد من العناوين وأرقام الهواتف. كتبتُ عشرات الإيميلات، وأجريتُ عشرات الاتصالات الهاتفية، بين بريطانيا وفرنسا ولبنان ومصر والمغرب وقطر، وكنتُ عندما أصيب الهدف؛ فأقع على الصوت المأمول، أو ينيرُ صندوق بريدي الإلكتروني إيميلٌ متوقٌ له بشدّة، أزفّ الخبرَ للجميع: «أيتها المبدعات! أخيراً وصلتُ إلى الكاتبة السعودية ليلى الجهني.. إليكم نسخة من رسالة انسحابها الرسمية من الأنطولوجيا»، و»زميلاتي الرائعات.. الكاتبة التونسية آمال مختار تعلنُها: أنا معكن!» وإذ تناغشني هيفاء زنكنة بإيميل بكلمتين: «تسلم يدك»، أو تطرق باب روحي رسالة تعبق رقّة من رضوى عاشور، التي كانت تعيش أثناء الحملة حُزناً خاصاً وحُزنَ مصر العام، أو تأتيني كلمات مشجِّعة، فيها حبٌّ وعضَد، من ليلى أبو زيد، أو تمدّ لي ليلى الجهني يدها – عبر أثير الكلمات – مصافحة، أو ترمي عليّ هدى بركات تحيّة مسائية، أو تدعوني ابتهال سالم – عبر الهاتف – على طبق كُشري قاهريّ، أعرف أن لي «عزوةً» في نساء جميلات.. فاتنات بحق.. نساء نسجتُ مع عدد كبير منهن صداقات سوف تؤسس لعُمْرٍ فيما تبقّى من أعمارنا؛ ومن وسط الرسائل «الأنطولوجية» الكثيرة والعرائض الثورية، تسللت إلى قلوبنا رسائل شخصية تبادلناها، وبوحٌ شفيف، ومحكياتٌ إنسانية، وشغفٌ، ولقاءاتٌ قادمة عقدنا العزم على أن تتحقّق.. (هيفاء: ضعي دلّة القهوة على النار.. أنا في الطريق إليك!)



بدأتُ صوتاً وحيداً، غَضَباً فردياً، وانتهيتُ بعشرات الأصوات البهية، وبركان جماعي فائر.. في الأثناء انضمّ إلينا صحفيون، تبرعوا بوقتهم وجهدهم لنقل القضية في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، وناشطون وناشرون وأدباء وأكاديميون وأساتذة جامعيون لم يبخلوا علينا في تسهيل الوصول إلى كاتبة بعينها.. إلى كل هؤلاء، إلى كل الأصوات النبيلة التي ساندت صوتي وأصواتنا: «أضمّكم إلى قلبي»!



في 23 أيار، وبعدما بلغ عدد المنسحبات رسمياً ثلاث عشرة كاتبة من الوطن العربي، أرسل لنا مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة تكساس رسالة ينعى فيها المشروع رسمياً، معلناً إلغاء الأنطولوجيا، غير المأسوف عليها. لقد خسر الكتابُ نصفَ محتواه، وأصبح فاقداً لأي مذاق «عربي» أو شرعية شرق أوسطية! راهنوا بأننا قد لا نصل إلى معظم الأسماء، التي تحاكي صبرَنا وألمَنا وقهرَنا وغضبَنا وثورَتنا، لكننا وصلنا.



بعد ثلاثة أسابيع من عمل يومي، اختلطت خلاله ساعات الصحو الطويلة بالنوم اليسير فكانت الشمس تشرق وتغيب وأنا أكتب، وأكتب، وأكتب، حقّ لي أن أبكي أخيراً.. لقد بكيتُ كثيراً. شهقتُ من البكاء. أعتقد أنني كنتُ «سعيدة»، إن كانت السعادة قائمة أصلاً أو مشروعة! في زماننا الذي غدر بنا، هذه واحدة من اللحظات العزيزة جداً التي أستطيع فيها أن أنظر إلى وجهي في المرآة، فلا أشعر بأنني عاجزة أو مهزومة.. تماماً.

http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=%5CArtsAndCulture%5C2012%5C06%5CArtsAndCulture_issue1691_day04_id417983.htm#.T87_vo4VufR

اضيف بتاريخ 06-06-2012



   
 

 





         

 


حول الحملة

تاريخ الحملة
من نحن
نداء الحملة للمقاطعة
نداء المجنمع المدني
بيانات ورسائل الحملة

معايير ومواقف الحملة

موارد الحملة

وثائق رئيسية
روابــط
أخبـــــار وآراء

مبادرات للمقاطعة

مبادرات فلسطينية وعربية
مبادرات دولية
فعاليات قادمة حول المقاطعة

اتصل بنا

English

PACBI, P.O.Box 1701, Ramallah, Palestine pacbi@pacbi.org
All Rights Reserved © PACBI