This website has moved but this site will still be visible as an arhive.
PACBI-رد علـى رد والتــر آرمبــرســت مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين ومسؤولية المثقفين


أخبار و آراء >
Send Email Print Bookmark and Share

كيرستن شايد | النهار | 22-7-2004

رد علـى رد والتــر آرمبــرســت مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين ومسؤولية المثقفين

رد علـى رد والتــر آرمبــرســت
مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين ومسؤولية المثقفين
كيرستن شايد

كانت مفاجأة ممتعة أن أقرأ رسالةَ والتر آرمبرست في "قضايا النهار"(*) بخصوص تجربتي في المقاطعة الأكاديمية للكيان الصهيوني. ذلك أنَّ هذه الرسالة تقدِّم للقارئ العربي فرصةً نادرةً لتأمُّل الموقف الذي يتَّخذه باحثٌ أميركي يكسب عيشَه من دراسة العرب ودراسة مواقفهم تجاه قضاياهم السياسية والاجتماعية.
والحقّ أنّ لامبالاة  آرمبرست بمصير الأكاديميين العرب، ولاسيّما الفلسطينيين، مدهشة. كما أنّ رسالته تَنضح بأضاليل بارزة عديدة. وإنّني أتَّخذ هذه الفرصة لأصحِّح هذه الأضاليل، ولكي أَعْرض  ــ وهذا هو الأهمّ ــ  دعوةَ آرمبرست المعيبة إلى تخلّي الباحثين عن أيّ مسؤولية ثقافية. لقد سَبَقَ لباحثين عظام أن كَتَبوا عن هذا الموضوع، وببلاغةٍ ما بعدها بلاغة; ولعلّ أبرزَهم كلٌّ من نعوم تشومسكي في مقالتيْه "مسؤولية المثقفين" (،1966 ترجمتْها مجلةُ "الآداب" صيف 1993) و"الكتّاب والمسؤولية الثقافية" (،1996 وترجمتْها "الآداب" أيضاً صيف 1996)، والراحل الكبير إدوارد سعيد في كتابه "صور المثقف" (ترجمه غسان غصن، وصدر بالإنكليزية عام 1994). ومع ذلك فإنّه يبدو لي أنّ علينا جميعاً - كتّاباً وأكاديميين- أن نعود من جديد إلى موضوعة "المسؤولية الثقافية" كلٌّ بحسب قدرته.
لنبدأْ بتصحيح الأضاليل: إنّ آرمبرست يَكْذب كذباً صراحاً حين يقول إنّه لم يَطْردْنا  - أنا وزميلتي اللبنانية - من ورشة العمل التي كان قد دعانا إليها. فالحقيقة أنَّنا حين دُعينا إلى الورشة في فلورنسا (إيطاليا) لم نُزوَّد بجنسيّات المشاركين بل بعناوينهم الإلكترونية فقط. ولهذا لم نعرف أنَّنا كنّا مدعوَّتَيْن إلى لقاء باحثٍ إسرائيلي طوال يوميْن، مع 13 مشاركاً آخر، في غرفةٍ مُقفلة. ولم يتّضح لنا ذلك إلاّ بعد أن وُزِّعت الأوراقُ على المشاركين قبل شهر من انعقاد المؤتمر.
وكان أن اعترضنا، أنا وزميلتي اللبنانية، على إقحامنا في موقفٍ يُجْبرنا على أن نستخدم حضورَنا المهنيّ (لكوننا أُستاذتَيْن في الجامعة الأميركية في بيروت) وحضورَنا الهويّاتيّ (لكوننا مواطنتيْن لبنانيتَيْن) ليُكمِّلا حضورَ شخصٍ إسرائيلي يمثِّل مؤسسةً إسرائيلية بُنيتْ على أنقاض مجتمعٍ تَعرَّض ــ ويتعرَّض ــ للتهجير والقتل المنظَّم.
ومع أنَّنا لم نَقفزْ  إلى استنتاجات متسرِّعة حول دوافع منظّميْ ورشة العمل لأن يضمّا إسرائيليّاً إلى جانب لبنانيتيْن (ترى أَلَمْ يَعْلم المنظِّمان بحال الحرب بين لبنان والكيان الصهيوني؟)، فقد كَتَبْنا إليهما قبل ثلاثة أسابيع كاملة من انعقاد المؤتمر (لا قبل بضعة "أيام" فقط كما زَعَم آرمبرست). وفي رسائلنا هذه قُلنا إنَّ ضمَّ إسرائيلي إلى ورشة العمل إنّما هو عملٌ يضعنا في موقفٍ لا يُمْكن الدفاعُ عنه، وتحديداً بسبب احترامنا للقانون اللبناني بهذا الشأن.
وتمنّيْنا على منظِّميْ الورشة أن يَقْترحا حلولاً لهذه المسألة. ولم نفتِّشْ عن بديل من هذه الورشة آنذاك; ذلك لأنّه لم يَخْطر في بالنا أنّ باحثاً عَمِلَ حوالى عقديْن في مصر يُمْكن أن يتجاهل أنّ التطبيع مع إسرائيل - حتى في بلدانٍ عربية فَرَضتْ أنظمتُها معاهداتِ سلامٍ مع هذا الكيان - أمرٌ تَرْفضه الغالبيةُ الساحقةُ من المواطنين العرب لكونهم يَرْفضون اعتبارَ نظام "التفوُّق العنصري اليهودي" الذي يحتلّ أراضيَهم وأراضي أشقائهم شأناً طبيعياً. لكنّ ردّ آرمبرست (حتى من دون استشارة زميلته المصرية التي كان يُفْترض أنَّها تشاركه في تنظيم الورشة) كان الآتي: "أنا آسف لأنَّكما لن تَحْضرا!".
إنّ دعوة آرمبرست إيّانا إلى تجاهل القانون اللبناني الذي يحظِّر الاتصالَ بالإسرائيليين هي دعوةٌ متعجرفةٌ وجديرةٌ بالازدراء. ففي رسالته التي يُبْلغنا فيها بطَرْدنا من المؤتمر عملياً، يُعْلِمنا أيضاً أنَّه كان سيكون "أكثرَ إعجاباً [بنا]" more impressed)) لو أنَّنا قاومْنا ذلك القانون... وكأنَّ هدَفنا الأسمى هو نيلُ إعجابه!  وإنَّني هنا أتساءل ما إذا كان آرمبرست يخطِّط اليوم لزيارة اكاديمية إلى كوبا وإيران والسودان، أو أنَّه منهمك في مراجعة أبحاث كوبية وإيرانية; فالحال أنَّ أفعالاً أكاديمية مثلَ تلك المراجعة قد باتت، منذ آذار من هذا العام، محظورةً على المواطنين الأميركيين، بل يتعرَّضون في حال قيامهم بها لعقوبات الغرامة الباهظة والسجن.
والحقّ انه من الطبيعي جداً والعادي جداً أن تَمْنع دولةٌ ما مواطنيها من الاتصال بمواطني دولةٍ عدوانيةٍ ومعتدية (أم أنّ آرمبرست نسي أنَّ إسرائيل مازالت تعتدي على لبنان، وأنّ هناك لبنانيين مازالوا في سجونها، وأنَّ شبعا اللبنانية ما زالت محتلّة، وأنَّ المياه اللبنانية مازالت تُسرق، وأنَّ اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مازالوا يَنْتظرون العودةَ إلى فلسطين، وأنَّ التعويضات المالية التي تُقدَّر بمليارات الدولارات جرّاء التدمير الذي أَلْحقته دولةُ إسرائيل بلبنان لم تُدفع حتى الآن؟). إنّ ما ليس أمراً طبيعياً ولا عادياً (ولكنّ آرمبرست يتجاهله من خلال دعواته المبتذلة إلى تطبيق "الحرية" و"العقلانية" و"الديموقراطية") هو أنّ تواصِلَ دولةٌ مثل إسرائيل، طوالَ ما يقرب ستةَ عقود، فرضَ أطول الاحتلالات في العالم المعاصر، وارتكابَ أعمال بربرية أدَّت إلى تهجير ملايين السكّان الأصليِّين وإلى خضوع آخرين لنظام تفرقة عنصرية منهجي.
هذا الوضع غيرُ المقبول هو ما حاول آرمبرست أن يَطْمسه حين فَرَضَ على نقاشنا الأكاديمي لمسائل ثقافية وفنية عضواً (احتياطياً) في القوات المسلَّحة الإسرائيلية! وقد كان اعتراضُنا المبدئي ذاك هو ما وَضَعنا في قلب وعي الحاضرين والمنظِّمين.
لعلّ باحثين أمثال آرمبرست يحبّون أن يَخْلقوا أوضاعاً يستطيعون أن يروا فيها الإسرائيليين المحتلِّين "مدافعين عن حرية التعبير" بحسب كلامه. ولكنّ الأهمّ في رأيي هو أن نَخْلق أوضاعاً تُظْهر للجميع ما يَدْعو إليه أولئك الإسرائيليون المحتلّون حقاً وينفِّذونه على أرض الواقع ــ  وأَعْني بذلك: التمييزَ العنصري والتهجيرَ المخالفيْن حتى لقوانين الشرعية الدولية. فعلى سبيل المثال، فإنَّ المشارِك الإسرائيلي (وهو بالمناسبة مؤيِّد للصهيونية منذ أيام دراسته العليا في جامعة هارفرد، غير أنَّ ذلك لا يَعْني مَنْ يَزْعم دَعْمَه لـ "حرية التعبير") لا بدّ أن يوجِّه انتباهَنا إلى الجامعة التي يَعْمل فيها: جامعة بن غوريون التي تأسَّستْ عام 1967 في بئر السبع لتكون "منارةً للتطوير من أجل جلب التقدّم والصناعة إلى النقب ــ  وهي منطقةٌ صحراويةٌ بعيدةٌ جغرافياً عن قلب البلاد" (على ما يَذْكره موقعُ الجامعة الإلكتروني احتفالاً بمرور 30 عاماً على إنشائها).(1)
لكنْ لماذا بنى الإسرائيليون جامعتَهم بعيداً عن التمركز السكاني في تل أبيب؟ الجواب: من أجل مصادرة الأرض من سكّانها الأصليين، ولتحقيقِ حلم موشيه دايان في تحويلها نموذجا للتفوُّق اليهودي.(2) وهكذا، فإنّ الإسرائيلي الذي يَعْتبره آرمبرست رمزا لحرية التعبير يَرْمز أيضا إلى الممارسات الصهيونية التهجيرية والعنصرية اليومية، وآخرُها: رشُّ مبيداتٍ سامّة على المزروعات الفلسطينية لدَفْع أصحابها إلى قبول الخطط الإسرائيلية ببناءِ مستوطناتٍ يهوديةٍ صرفٍ في المنطقة.(3) بل الحقّ أنَّ ذلك المشارِكَ الإسرائيلي لا يَرْمز إلى تلك الممارسات الوحشية فحسب، بل يعزِّزها ويستفيد منها أيضا.
لم أكن لآبَهُ حقاً لعدم حضوري ورشةَ العمل في فلورنسا، لكنّ ردّ آرمبرست على بريدي الالكتروني - وهو ردٌّ عجولٌ ومُهينٌ - عزَّز اشتباهي بأنّ ما يهمّه أكثرَ من بحثي إنّما هو جنسيتي (من أجل خَلْق عرضٍ مزيَّفٍ عن "التعايش"). إنَّ لامبالاته باحتمال خُضوعنا للعقاب في لبنان لو اتّصلنا بذلك الإسرائيلي كَشَفَتْ لي النفاقَ الفظيعَ الكامن في لقاءٍ أكاديميٍّ كان يُفْترض أن نناقِش فيه التعبيراتِ الثقافيةَ في سياق "الهياكل والأنساق المشكَّلة تاريخياً بفعل علاقات الخضوع والسيطرة" (بحسب ما جاء في وصف الورشة).
فها نحن أمام داعٍ  إلى ورشةِ عمل، يُفْترَض أن يكون مهتماً بالسياق الواقعي للإنتاج الثقافي في المنطقة العربية، يَكْتب لنا ما يأتي: "أنا، ببساطة، لا أصدِّق أنَّ حضورَ مؤتمر [لاحظوا أنَّه لم يقل: ورشة عمل] يَحْضره باحثون إسرائيليون سيشكِّل  ــ بأيّ طريقة ــ  خطراً على وضعكِ كأكاديمية لبنانية، أو يعرِّضُك لخطر العقوبات من الدولة اللبنانية". (حين أقرأ هذه الجملة أقول لنفسي: لو كان إدوارد سعيد حياً لاعتَبَرها شكلاً عجيباً من الاستشراق، كيف لا وهي تصرِّح بأنّ على الباحثين "الغربيين" أن يَقْتنعوا بأنَّ الواقع حقيقي لكي يكون حقيقيّاً!).
لكنْ لا أحد، لا أحد، يستطيع أن يُجْبرنا على كسر قوانين دولتنا (حتى لو اعترضنا على سياساتها الداخلية، المفْعَمَةِ بالطائفيةِ والفسادِ وإنكارِ حقوق الشعب الفلسطيني الإنسانية والسياسية). ولا أحد، لا أحد، يُمْكنه أن يَفْترض، هكذا وببساطة، أنَّنا نَرْغب في أن نَكْسر تلك القوانينَ. وموقف آرمبرست الفوقيّ المتعجرف إزاء قوانين البلدان العربية يغدو أكثرَ مدعاةً للرفض حين نقارنه بموقفه الخانع الصاغر إزاء قوانين بلاده نفسها; فهو يقول إنَّه لو رَفَضَ دفعَ الضرائب فسيذهب فوراً إلى السجن; وعليَّ أنا أن أصدِّق ذلك; ولكنَّه إنْ لم يصدِّق هو أنَّني قد أَذْهب إلى السجن بسبب اتصالي بمُواطنِ دولةٍ عدوّة، فذلك يَعْني ألاّ أَقْلقَ لأنَّ مخاوفي لا أساس لها وخارج حدود الممكن!
لكنْ لننظرْ إلى ما يَسْتبعد آرمبرست أن يكون ضِمْنَ "حدود الممكن" بالنسبة إليه. إنّ "الهيئة الوطنية لتنسيق مقاومة ضرائب الحرب" التي تأسَّستْ عام ،1982 تروي حكايات مئاتٍ من الأميركيين الذين رَفَضوا دفعَ ضرائبهم لأنَّهم تصرَّفوا بوحيٍ من مبادئهم التي زَعَم آرمبرست أنَّها لا تَدْخل ضمن حدود الممكن. كما أنَّ "رابطة مقاومي الحرب" تَشْرح الوسائلَ القانونيةَ لذلك الرفض، ومنها ما استخدمتُه أنا بنفسي لعدم دفع الضرائب لحكومتي الأميركية منذ عام ،1996 وأعني: عدم تلقّي راتب سنوي يتعدَّى حداً معيَّنا.(4)
ثم إنَّني لا أعتقد أنَّ عدم حضور ورشة العمل كان سيفوِّت عليّ ميداناً مهماً لنشر أفكاري المؤيِّدة للفلسطينيين. وقد يكون بإمكان آرمبرست أن يقول إنّ المقاطعة، أو المقاطعة الأكاديمية، "لم تؤثِّر مطلقاً في سياسات المؤسسات الأوروبية والأميركية التي تَدْعم إسرائيل". ولكنّ "التبادل الثقافي" بين الطرفيْن لم يؤدّ، في حقيقة الأمر، إلى تخفيف القمع الإسرائيلي. تكتب منى بايكر (باقر) ولورنس دايفدسون ما يأتي: "إنّ التبادلات الثقافية استمرّت بين الإسرائيليين وبقية العالم منذ عام ...1948 لكنَّها لم تؤثِّر قيد أنملة في السياسات القمعية والكولونيالية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ففي ظل هذه الشروط يُرجَّح ألاّ يحقِّق "الحوار" أيَّ شيء في المستقبل، إلاّ إذا تزامن مع ضغطٍ حقيقيٍ مفروض من الخارج".(5)
كما أنَّ عدم حضور الورشة لا يعني وقفَ التواصل مع الباحثين لأنَّ كل أبحاثنا كانت منشورةً على الموقع الإلكتروني. وبكلمة، فإنَّ عدم حضور تلك الورشة لم يكن يَهْدف إلى منع التبادل الثقافي، بل إلى منع تحويل هذا اللقاء إلى مجال يستطيع الإسرائيليون فيه أن يَشْعروا بأنَّ صهيونيّتهم مقبولةٌ تماماً من الجميع وأنَّ بمقدورهم أن يواصلوا تطويرَ أبحاثهم في الوقت الذي يواصلون فيه ممارسةَ صهيونيّتهم!
ولكنّ منظِّمِي المؤتمر العام (لا الورشة) عَرَضوا عليّ حلاً آخر. فقد قرأوا كلَّ مراسلاتنا مع آرمبرست، وأَدْركوا أنَّنا (أنا وزميلتي اللبنانية) تعرَّضنا لتمييزٍ مِنْ قِبَله لكوننا المشارِكتيْن الوحيدتيْن اللتيْن يُطْلب منهما كَسْرُ قانونِ دولتهما شرطاً لحضورهما المؤتمرَ. وأدركوا أنَّنا تَعَرَّضنا للتجريح بسبب تصرفات آرمبرست العدائية واللامهنيّة، بل والمُفْعَمةِ بالتعبيرات والتلميحات الجنسية البذيئة (من قبيل "أنتِ والصهاينة في سرير واحد أصلاً!"). غير أنَّ أكثر ما يُحزن في طريقة آرمبرست للتعامل مع هذه القضية ليس، في رأيي، أسلوبَه التشهيريَّ الذي يَسْتخدمه باستمرار، ويُظْهر ابتعادَ حججه عن "اللاعقلانية" (التي يرميني بها). وإنّما ما يهدِّد حقّاً قيمةَ المهنة الأكاديمية ذاتِها هو محاولتُه إقناعَ المثقفين بلاجدوى أيّ محاولةٍ يقومون بها لتغيير أيّ شيء (أو لتغيير أيّ شيء يوافق مبادئه طبعاً).
ولعلّ أفضلَ ردٍّ على هذا المنطق هو ما جاء على لسان مارتن لوثر كِنْغ حين قال: "إنَّ العمل اللاعنفي المباشر يسعى إلى خلق أزمة وإلى تعزيزِ تأزُّم، بما يكفي لإجبارِ مجتمعٍ رَفَضَ التفاوضَ دائماً على مواجهة مسألة معيّنة. وهكذا يسعى هذا العملُ إلى مسرحة تلك المسألة، لكي يصبح مستحيلاً تجاهُلُها بعد ذلك". ولهذا السبب يُقاطِعُ الناسُ لأنَّهم قادرون على ذلك، في وقتٍ لا يَفْعل فيه كثيرون غيرُهم أيَّ شيء لمقاومة الظلم أو الاحتلال.
إنَّ زيادة "التأزُّم" هو تحديداً ما حَصَدَه الباحثون الداعون إلى المقاطعة حين تمّ تبنّي المقاطعة الأكاديمية العالمية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.(6) ولكنّ آرمبرست يؤكِّد أنَّ علينا مسايرةَ إسرائيل حين تريد أن تشارك في شؤون العالم، كأيّ دولةٍ عادية، لمجرَّد زعمه أنّ "معظم" المشاركين قد يعتقدون فعلَ أيّ شيء آخر "أمراً سخيفا"; أوْ لأنَّ عدمَ المسايرة سيسبِّب لنا أذًى شخصيّا كبيرا; أو لأنَّ رَفض المسايرة قد لا يكون ذا أثرٍ كبيرٍ كما نأمل. والحقيقة أنَّ أطروحة آرمبرست عن "الثبات على المبادئ" consistency يُمْكن اختصارُها في الزعم بأنَّ عدم القيام بأيّ شيء ضدّ الأهوال التي يُواجهها الفلسطينيون، وبدعمٍ من حكومته (الولايات المتحدة)، يَجْعل الباحثَ أكثرَ مبدئيةً!  إذن، لمجرّد عدم قدرة آرمبرست وحدَه على تغيير كلّ شيءٍ يريد تغييرَه، فإنَّه يؤكِّد ضرورةَ عدم محاولة تغيير أيّ شيء. يا للثّباتِ على المبادئ!
المفارقة اللاذعة هي أنّ المتضرِّرين من تطبيق هذه المبادئ "العقلانية" (وهذا وصفُ آرمبرست) هم مَنْ يُفْترض أنَّنا نُدافع عنهم. فمنطقُ آرمبرست يقول إنَّ على الناشطين المعادين للصهيونية ألاّ يتعلّموا تعليما عاليا في الغرب لأنَّ الصهاينة موجودون هناك أصلاً; إذن علينا أن نكتفي بتعليمٍ أقلّ (وفي حالتي أنا "يَنْصحني" آرمبرست بأن أُوقِفَ شهادةَ الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة برنستون، علما أنْ لا برنامجَ دكتوراه في الأنثروبولوجيا - باللغة الإنكليزية على الأقل - متوافر حاليا في أيّ جامعة لبنانية).
كما يَخْلص آرمبرست إلى أنّ علينا ألاّ نَطْمح إلى نيل مناصب أكاديمية إذا لم نستطع اختيارَ "زملائنا" في العمل الأكاديمي. لكنّ مثل هذا المنطق "العقلاني" لا يَدْعم إلاّ مَنْ هم في مراكز القوة أصلاً (كأصحاب الكراسي الجامعية أو مديري مراكز الأبحاث) ولا يساهم إلاّ في الحفاظ على الوضع الراهن المؤيِّد للصهيونية. إنَّ هذا المنطق تحديدا هو الذي يؤدِّي إلى إعطاء إسرائيل شرعيةً عالميةً لم يكن لها أن تنالَها بالقوة العسكرية وحدها، وهو الذي يَجْعل من مهنة الأكاديميين الإسرائيليين مفيدةً للدولة الإسرائيلية بل ومربحةً لهؤلاء الأكاديميين أيضا!
ففي عام 2001 مثلاً كانت موازنةُ الجامعات الإسرائيلية للأبحاث والتطوير تُقدّر بـ 848 مليون دولار، بحسب بيان وزير المال الإسرائيلي (جيروسالم بوست، 11 كانون الأول 2003). معظم هذه الأموال في حقيقة الأمر تأتي من الاتحاد الأوروبي (الذي خَصَّصَ 6 مليارات دولار سنويا بين عاميْ 2002  و2006 لمشاريع قد تَشْمل إسرائيلَ، وفي عام 2003 شَمَل 140 مشروعا مموَّلاً من الاتحاد الأوروبي إسرائيلَ بالفعل).(7) ولكنْ لكي تَحْصل إسرائيلُ على التمويل فإنَّ عليها - بحسب تشريع الاتحاد الأوروبي -  أن تَحْترم حقوقَ الإنسان. طبعا إسرائيل لا تَحْترم حقوقَ الشعب الفلسطيني. إذن، إذا كانت المعاهدُ الأوروبية لا تطبِّق شروطَها، فعلى الباحثين الآخرين الذين يشاركون في برامج مِنْ تمويل الاتحاد الأوروبي أن ينبِّهوا إلى هذا الخلل. إنّ هذا هو، ببساطة، واجبُهم تجاه مهنتهم ذاتها. فلماذا يجب عليّ أن أتخلَّى عن هذا الواجب؟ على العكس، علينا، كما أرى، أن نَفْعل ما في وسعنا لتغيير الواقع، وسنكتشف -  مع كل خطوةٍ نخطوها-  أنَّنا قد ساهمنا في خلق حقائق جديدة تُعيننا على مواصلة المسيرة.
ثم إنَّ آرمبرست يتعمّد خلطَ الأمور بالقول إنَّ علينا، لكي نكون "جادّين" وغير "انتقائيين"، أن نتخلَّى عن أيّة صلة بأيّة مؤسسة ذات أدنى علاقة بإسرائيل (ومن هنا يُطالبني بوقف الدكتوراه في برنستون). لكنّ هذا المنطق هو المنطقُ نفسُه الذي يَسْتخدمه أعداءُ مقاطعة الشركات الداعمة للدولة الإسرائيلية. فَهُمْ يقولون: "إنْ لم تستطيعوا مقاطعةَ كلّ شركة تمتّ بصلة إلى إسرائيل، فلماذا تقاطعون أيّ شيء أصلاً؟" ولكيْ نَمسّ الخللَ في هذا المنطق، ما علينا إلاّ أن نرى مَن المستفيدَُ من سلوك هذا المنطق.
فالحال أنّك إنْ لم تقاطِعْ أيَّ شيء على الإطلاق، فذلك سيزيد من الأرباح التي تجنيها الشركاتُ من استثمارها في إسرائيل، وسيَخْلق أوضاعاً أكثرَ ملاءمةً لمزيد من الاستثمار; في حين أنّكَ لو قاطعتَ ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً فستقلِّل بعملك هذا من تلك الأرباح، وستَخْلق أسباباً للشركات لكي ترى بأُمّ عينها أنّ أيّ استثمار إضافي في إسرائيل سيكون أقلَّ ربحيّةً، وستساهم أيضا في إضعاف الصهيونية (القائمةِ أساساً على دعم الشركات المعولمة الكبرى إضافةً إلى دعم الدول الكبرى).
دعوني أضربْ مثالاً على ذلك "مؤسسةً" أخرى (غيرَ جامعة بن غوريون) استثمرتْ من أجل "تحويل" صحراء النقب. فحين أدَّت حملةُ مقاطعة البضائع الإسرائيلية في أوروبا والولايات المتحدة إلى خفض مبيعات شركة "أوسم" (وهي شركة إسرائيلية من ممتلكات "نستله" السويسرية) في الخارج، قامت الحكومةُ الإسرائيليةُ بإلغاء هِبَةٍ كانت تعتزم تقديمَها إلى "نستله" لمساعدتها على توسيع مصنعها في مستوطنة سيديروت اليهودية الصّرف. وقالت الحكومة الإسرائيلية إنَّ "نستله" لم تَبِعْ من منتوجات "أوسم"، ولم توظِّف من الإسرائيليين، بما يكفي لتشجيعها على زيادة استثماراتها في سيديروت. وهكذا ألغت "نستله" خططَ التوسيع هناك، ويسعى كثيرون من مستوطني سيديروت إلى مغادرة هذه المستوطنة في اتجاه بلدان أخرى، وقد نَنْجح  ــ  بمزيد من الضغوط المتواصلة على "نستله" هنا وهناك وفي كل مكان ــ  في دفع هذه الشركة السويسرية إلى مغادرة سيديروت. وبذلك سنبيِّن عدمَ "ربحيّة" المشروع الصهيوني، وسنزيد من إمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلدة "النجد" (التي أصبحتْ تسمّى سيديروت).
والأمرُ مماثلٌ بالنسبة إلى المقاطعة الأكاديمية. فإذا لم نستطع قَطْعَ كلّ الارتباطات بداعمي إسرائيل، فإنَّنا نستطيع مع ذلك أن نُصرّ على المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، ونستطيع أن نَرْفض تقديمَ "مؤهِّلاتنا" المؤسسية والوطنية لجعل الباحثين الإسرائيليين يحسُّون بأنَّهم يعيشون حياةً طبيعيةً بيننا. والحقّ أنّ مقالتي التي ردَّ عليها آرمبرست في "قضايا النهار" ذَكَرَتْ غيضا من فيض من الباحثين الأوروبيين والأميركيين الذين يؤمنون بأنَّهم قادرون حقّا على اختيار زملائهم، عَكْسَ ما يَزْعم آرمبرست، بل وكَرَّسوا حَظْرا على أيّ اتصالٍ رسمي (نشر مشترك، مشاريع بحثية، عقد مؤتمرات في إسرائيل...،) بباحثين إسرائيليين يمثِّلون مؤسساتٍ إسرائيليةً أكاديمية. وبالمناسبة، فإنّ أحد الباحثين المذكورين في مقالتي سَبَقَ أن عَلَّمَ، مثل آرمبرست، في أوكسفورد، قبل أن يُفْصَل من وظيفته لرفضه أن يَقْبل في صفِّه طالبا إسرائيلياً عَمِلَ في الجيش الإسرائيلي (وهذا قد يُشكِّل إضاءًة مثيرةً لهجوم آرمبرست عليّ).
هذا وقد أَصْدر مئاتُ الباحثين الفلسطينيين والعرب الآخرين والأوروبيين والأميركيين، بعد مشاورات استمرّت ثلاثَ سنوات، دعوةً منسّقةً إلى أكاديميي العالم بوجوب رفض التعاون مع أيّ مؤسسة إسرائيلية، وذلك من أجل دفع المجتمع الأكاديمي الإسرائيلي إلى اتِّخاذ موقفٍ معادٍ لسياسات الحكومة الإسرائيلية العنصرية. ومن المهمّ هنا أن نَذْكر أنَّ هذه الدعوة هي جزء من حملة مقاطعة عالمية شاملة(8)، وأنَّها وسيلةٌ بالغةُ الفاعلية لفضح نفاق إسرائيل "المدافِعة" عن "الديموقراطية والمبادئ الأكاديمية" ولخفض أرباحها الاقتصادية (فمثلاً، انخفضت المؤتمراتُ العالميةُ المنعقدةُ في إسرائيل بنسبة 66% عمّا كانت عليه عام ،2002 بحسب جريدة "هآرتس" في 20 تشرين الثاني 2003 ــ  وهذا ما يُمْكن ردُّه إلى المقاطعة والانتفاضة معاً طبعاً).
إنَّ مساهمتي الفعالة في حركة المقاطعة لا تكون برفضي الرقصَ في قاعةٍ كبرى تتضمَّن فرداً إسرائيلياً أو اثنيْن (ويَكْذب آرمبرست حين يُلمح إلى أنَّني رقصتُ مع الإسرائيليين!)، وإنَّما يكون برفضي في أن أَدْخلَ في سجالٍ في ورشةِ عملٍ مع إسرائيلي يمثِّل مؤسسةً أكاديميةً صهيونية. وأَسْتطيع أن اساهم بفاعلية في نشر الوعي بعدوانية الصهيونية لا من خلال مسايرتي لباحثٍ (آرمبرست) يعيش في المملكة المتحدة ويُكافئ الأكاديميا الإسرائيلية ويشجعها، بل من خلال الجهر بالمعارضة، ومن خلال شرحي أسبابَ عدائنا المستمرّ للصهيونية (أما بالنسبة إلى الزميل الفلسطيني الذي ساجَلَ الأكاديميَّ الإسرائيليَّ، على ما يَذْكر آرمبرست، فذلك هو وَضْعُ عدد من الفلسطينيين وخاصةً داخل فلسطين 48 المحتلّة - وهو وضعٌ يختلف بالتأكيد عمَّا نُواجهه نحن الذين لا نَخْضع اليومَ، بفضل المقاومة بمختلف أشكالها، للاحتلال الإسرائيلي).
وأَسْتطيع أن أقاطع المؤسساتِ الأكاديميةَ الإسرائيليةَ لا بالتخلِّي عن نيل الدكتوراه من جامعة أميركية تَرْتبط إدارتُها بعلاقةِ صداقةٍ مع الصهيونية، بل بتأييد حملةِ الطلاّب هناك من أجل أن تَسْحب هذه الجامعةُ الأموالَ من شركاتٍ "تُجْري عملياتِ كبيرةً في إسرائيل" (أمثال جنرال إلكتريك، وماكدونالدز، وجونسون آند جونسون)،(9) وبالانخراط في الاحتجاجات ضدّ دعوة مسؤولين إسرائيليين للحديث في حرم برنستون الجامعي أمثال: صموئيل توليدانو المساعدِ السابقِ لمدير الموساد (في شباط 2002)، وأفراييم سنيه وزيرِ النقل (في نيسان 2003)، وناتان شارنسكي وزيرِ الشتات (في أيلول 2003)، والجنرال شمعون بيري (حزيران 2004). هذه هي الأمور التي نستطيع أن نفعلها، نحن الباحثين الأميركيين والأوروبيين والعربَ، وقد فعلناها أو فَعَلْنا بعضَها وسنَفْعل المزيدَ. وكان أثرُ ذلك كبيرا على هَيْبة المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية وإنتاجها.(10) وما زَعْمُ آرمبرست أنّ المقاطعة كانت بلا معنًى إلاّ حيلةٌ لتبرئةِ نفسِه من عدم فعل أيّ شيءٍ مماثل، أو لعدم تقديمه أيِّ بديلٍ قابلٍ للتطبيق بشكل واسع.
حين رَفَضَ هنري ديفيد ثورو، احتجاجا على عدوان أميركا على المكسيك عام ،1846 أن يَدْفع ضرائبَه، وسُجِنَ، زارَه رالف والدو ايمرسون (الذي كان يؤيِّد موقفَ ثورو) وسأله: "ماذا تَفْعل في الداخل؟" فأجاب ثورو: "بل ماذا تَفْعل أنتَ في الخارج؟" إنَّ هذا هو، في النهاية، ملخَّصُ الصراع ضدّ الصهيونية; إنَّه ما يقوم به كلُّ فردٍ على أرض الواقع. وفي خاتمة المطاف كما نَعْلم، ساهم ثورو في تأسيس "حركة مقاومة الضرائب لتمويل الحرب"، وهي حركةٌ لعبتْ دوراً مهماً في التأسيس لمعارضة الحرب على فيتنام، ومن ثم على العراق، وساهمت بعد عقود في تأسيس منظمة SUSTAIN ("أَوْقِفوا دعمَ إسرائيل بأموال الضرائب الأميركية الآن") ومقرُّها في جامعة جورجتاون التي تخرَّج منها آرمبرست! أمَّا إيمرسون فساهم في التبرير "العقلاني" للجُبْن الثقافي الذي يمثِّله آرمبرست أفضلَ تمثيل. إنَّ لدى آرمبرست مليونَ حجّةٍ لكي لا يَفْعل شيئاً لمقاومة الصهيونية ولعودة اللاجئين إلى كلّ فلسطين; لكنّ ما سيُسَجَّل عليه في المقام الأول هو ما فَعَلَه لمنع الآخرين من القيام بما يؤمنون أنَّهم قادرون عليه، بل ومعاقبتهم بسبب تجرؤهم على ذلك!
-----------------------
* نشرت في 13/7/2004

1-          www.bgu.ac.il/html/30th.html .
2 -          Nick Pretzlik and Isabelle Humphries, Go to the West Bank!: Israeli Demolition of Bedouin Homes in the Negev, www.islamonline.net/english/views/2003/11  
          لمراجعة ما يسبّبه ذلك من أضرار على الحريات الأكاديمية الفلسطينية راجع: www.arabhra.org/dd/dd/121.htm  
3 ـ          Israeli Bedouins Resist Pressure to Pull Up Tents in the Desert,LA TIMES, July 4, 2004.
4 -          أنظر: www.warresisters.org  و  www.nwtrcc.org  
5-          Mona Baker and Lawrence Davidson,  In Defence of the Boycott of Israeli Academic Institutions (www.counterpunch.org/backer09182003.html )
6 -          أنظرْ: F.W. Lancaster & Lorraine Haricombe,  The Academic Boycott of South Africa, at www.monabaker.com
7 -Sarah Leibovich - Dar, Scholars Under   Siege, Haaretz, Nov. 22, 2003.
8 ــ ألفت النظرَ إلى أنّ مقالتي التي نشرتْها "النهار" في 5 تموز 2004 مأخوذةٌ من نشرةٍ بعنوان "قاطعوا"، تُصْدرها حملةُ مقاطعة داعمي "إسرائيل"/لبنان; وتُعْنى هذه النشرة بكافة أشكال مقاطعة العدو الصهيوني. ويمكن الاطّلاعُ على عددها الأخير في نادي الساحة (وطى المصيطبة)، أو موقع مجلة الآداب www.adabmag.com .
9 ــ          www.princeton.edu/-speac/support.htm . ولمزيد من المعلومات عن نشاطات طلاب برنستون تأييداً لفلسطين الحرة، راجع: www.princeton.edu/pcp/  
10 ــ للاطلاع لى ملخّص ذلك الأثر راجع: Polly Curtis, The Academic Boycott of Israel Gains Momentum, The Guardian, March 25, 2004.

اضيف بتاريخ 22-07-2004



   
 

 





         

 


حول الحملة

تاريخ الحملة
من نحن
نداء الحملة للمقاطعة
نداء المجنمع المدني
بيانات ورسائل الحملة

معايير ومواقف الحملة

موارد الحملة

وثائق رئيسية
روابــط
أخبـــــار وآراء

مبادرات للمقاطعة

مبادرات فلسطينية وعربية
مبادرات دولية
فعاليات قادمة حول المقاطعة

اتصل بنا

English

PACBI, P.O.Box 1701, Ramallah, Palestine pacbi@pacbi.org
All Rights Reserved © PACBI